محمد بن جرير الطبري

16

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عن أبي هريرة قال : إن الله يقبل الصدقة إذا كانت من طيب ، ويأخذ بيمينه ، وإن الرجل يتصدق بمثل اللقمة ، فيربيها الله له ، كما يربي أحدكم فصيله أو مهره ، فتربو في كف الله أو قال في يد الله حتى تكون مثل الجبل . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : " والذي نفس محمد بيده ، لا يتصدق رجل بصدقة فتقع في يد السائل حتى تقع في يد الله " . حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس : وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ يعني إن استقاموا . القول في تأويل قوله تعالى : وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وَقُلِ يا محمد لهؤلاء الذين اعترفوا لك بذنوبهم من المتخلفين عن الجهاد معك : اعْمَلُوا لله بما يرضيه من طاعته وأداء فرائضه ، فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ يقول : فسيرى الله إن عملتم عملكم ، ويراه رسوله . وَالْمُؤْمِنُونَ في الدنيا وَسَتُرَدُّونَ يوم القيامة إلى من يعلم سرائركم وعلانيتكم ، فلا يخفى عليه شيء من باطن أموركم وظواهرها . فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يقول : فيخبركم بما كنتم تعملون ، وما منه خالصا وما منه رياء وما منه طاعة وما منه لله معصية ، فيجازيكم على ذلك كله جزاءكم ، المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا ابن يمان ، عن سفيان ، عن رجل ، عن مجاهد : وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ قال : هذا وعيد . القول في تأويل قوله تعالى : وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ يقول تعالى ذكره : ومن هؤلاء المتخلفين عنكم حين شخصتم لعدوكم أيها المؤمنون آخرون . ورفع قوله آخرون عطفا على قوله : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً . وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ يعني مرجئون لأمر الله وقضائه ، يقال منه أرجأته أرجئه إرجاء وهو مرجأ بالهمز وترك الهمز ، وهما لغتان معناهما واحد ، وقد قرأت القراء بهما جميعا . وقيل : عني بهؤلاء الآخرين نفر ممن كان تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، فندموا على ما فعلوا ولم يعتذروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند مقدمه ، ولم يوثقوا أنفسهم بالسواري ، فأرجأ الله أمرهم إلى أن صحت توبتهم ، فتاب عليهم وعفا عنهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا أبو صالح ، ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قال : وكان ثلاثة منهم يعني من المتخلفين عن غزوه تبوك لم يوثقوا أنفسهم بالسواري أرجئوا سبتة لا يدرون أيعذبون أو يتاب عليهم . فأنزل الله : لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ إلى قوله : إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قال : لما نزلت هذه الآية يعني قوله : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من أموالهم يعني من أموال أبي لبابة وصاحبيه فتصدق بها عنهم ، وبقي الثلاثة الذين خالفوا أبا لبابة ، ولم يوثقوا ، ولم يذكروا بشيء ، ولم ينزل عذرهم ، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت . وهم الذين قال الله : وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ فجعل الناس يقولون : هلكوا إذ لم ينزل لهم عذرا وجعل آخرون يقولون : عسى الله أن يغفر